خطب الجمعة

دروس في الهجرة

دروس في الهجرة
فإن مفاهيم الهجرة النبوية ومفرداتِها ثابتة لا تغيرها السنوات ولا تغتالها عقارب الساعة مهما طال الزمن.. ليس لها زمن خصوصي كونها الزمن ذاته في تفاصيل حياتنا
درس في الصبر واليقين
الصبر واليقين طريق النصر والتمكين : فبعد سنوات من الاضطهاد والابتلاء بمكة ، كانت الهجرة بداية للنصر والتمكين لنبيه – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه ، بصبرهم ويقينهم بالله تعالى .
درس في التوكل على الله والاعتصام بحبل الله : فقد كانت رحلة الهجرة مغامرة محفوفة بالمخاطر التي تطير لها الرؤوس .. ومع هذا فقد كان ( في ظل هذه الظروف العصيبة متوكلا على ربه واثقا من نصره .
فالزم يديك بحبل الله معتصما / فإنه الركن إن خانتك أركان.

درس في التضحية والفداء
لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم يوم حنين، وأعطى المؤلفة قلوبهم دون أن يعطى الأنصار منها شيئا، قد بعضهم: لقي والله رسول اللَه قومه، فمشى سعد ابن عبادة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله, إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم حين جعلت الغنائم في قومك وفي سائر العرب ولم يكن فيهم من ذلك شيء, وحينئذ طلب منه النبي صلى الله عليه وسلم أن يجمع له الأنصار, ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم بينهم خطيبا, فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله, ثم قال:
يا معشر الأنصار: ألم آتكم ضلالا فهداكم الله. وعالة فأغناكم الله, وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ قالوا. بلى. ثم قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟ قالوا وما نقول يا رسول اللّه؟ وبماذا نجيبك؟ قال: واللّه لو شئتم لقلتم فَصَدَقتمِ وصدّقتم. جئتنا طريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك، وخائفا فأمِّناك، ومخذولاَ فنصرناك. فقالوا: المن للّه ولرسوله. فقال صلى الله عليه وسلم: أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً أسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم اللّه لكم من الإسلام؟ أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاة والبعير، وتذهبون برسول اللّه إلى رحالكم؟ فوالذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار. فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظاً »أ. هـ
وبالتأمل في هذه الخطبة الجامعة نجد أنها أسهمت في تحويل مجرى الأحداث من الضد إلى الضد, فحولت الشاكين إلى معتذرين, والغاضبين إلى راضين, وهدأت نفوسهم الثائرة, وعبروا عن أسفهم لما حدث وإيثارهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أى شئ سواه وذلك في صورة بكاء زادت حدته حتى اخضلت منه لحاهم.

درس في الحب : وقد قال الحبيب فيما رواه أنس ( : » لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ  » .
هذا الحب هو الذي أبكى أبا بكر فرحا بصحبته ( . . . هذا الحب هو الذي جعل أبا بكر يقاوم السم وهو يسري في جسده يوم أن لدغ في الغار لأن الحبيب ينام على رجله .
هذا الحب هو الذي أرخص عند أبي بكر كل ماله ليؤثر به الحبيب ( على أهله ونفسه .
هذا الحب هو الذي أخرج الأنصار من المدينة كل يوم في أيام حارة ينتظرون قدومه ( على أحر من الجمر . فأين هذا ممن يخالف أمر الحبيب ( ويهجر سنته أو يتخاذل عن الذب عن عرضه ، ثم يزعم أنه يحبه؟
يا مدعي حب أحمد لا تخالفُه / فالخُلْف ممنوعٌ في دنيا المحبينا
هكذا كان شباب الصحابة ، فأين شبابنا .. أين شبابنا الذين يضعون رؤوسهم على فرشهم ولا يضحون بدقائق يصلون فيها الفجر مع الجماعة .
أين أنتم يا شباب ، وقد كشر الأعداء عن أنيابهم ، فسبوا أشرف الخلق فداه آباؤنا وأمهاتنا .
أما آن للشاب أن يستيقظ من غفلته ، ويتوب من خطيئته ، ويهاجر إلى الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم – ؟
إن حقيقة الهجرة ليست مجرد الانتقال من بلد إلى آخر ، إن المهاجر كما قال – صلى الله عليه وسلم – هو من هجر ما نهى الله عنه ورسوله ( ، هجرة من الذنوب والسيئات … هجرة من الشهوات والشبهات … هجرة من مجالس المنكرات .. هجرة من طريق النار إلى طريق الجنات ..
نسأل الله تعالى أن يصلح شبابنا ، وأن يهدينا جميعا ويردنا إليه ردا جميلا ، إنه جواد كريم .. محبكم د. بسام القواسمي

الفتح الأعظم ومقدماته" صلح الحديبية"

الفتح الأعظم ومقدماته » صلح الحديبية » هو الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحزبه الأمين، واستنقذ به بلدَه وبيته الذي جعله هدى للعالمين، من أيدي الكفار والمشركين، وهو الفتح الذي استبشر به أهلُ السماء، وضربت أطنابُ عِزِّه على مناكب الجوزاء، ودخل الناس به في دين الله أفواجاً، وأشرق به وجه الأرض ضياء وابتهاجاً . أيها الصائمون والصائمات لما كان الفتح الأعظم في السنة الثامنة من الهجرة سنة تحطيم الأوثان وبالتحديد في الرابع والعشرين من شهر رمضان- شهر الانتصارات، الشهر المليء بالمناسبات الطيبة التي يفتخر بها المسلمون على مر الأيام بالليل والنهار، فهو الشهر الذي أنزل الله فيه القرآن، وهو شهر ليلة القدر. – لقد مكن صلح الحديبية النبي صلى الله عليه وسلم من تجهيز غزوة مؤتة، فكانت خطوةً جديدة ًلنقل الدعوة الإسلامية بأسلوب آخر خارج الجزيرة العربية. – ساعد صلح الحديبية النبيَ صلى الله عليه وسلم على إرسال رسائل إلى ملوك الفرس والروم والقبط يدعوهم إلى الإسلام. – كان صلحُ الحديبيةِ سببًا ومقدمةً لفتح مكة: حيث: كانت الهدنةُ مقدمةً بين يدي الفتح الأعظم، الذي أعز اللهُ به رسولَه وجندَه، ودخل الناس به في دين الله أفواجًا، فكانت هذه الهدنة بابًا له ومفتاحًا ومؤذنًا بين يديه، وهذه عادة الله في الأمور العظام التي يقضيها قدرًا وشرعًا أن يوَطِّئ لها بين يديها بمقدمات وتوطئات تؤذن لها وتدل عليها. إن الأمة اليوم بحاجة إلى العودة إلى السيرة النبوية تستجلي منها معالمَ الفتح والنصر ؛ لأن هديَ وسنةَ النبي – صلى الله عليه وسلم – وسيرتَه هي المَعْلمُ الدائم الذي نستنير به في ظلمات حياتنا، والذي نرى فيه معالمَ الطريق إلى مرضاةِ ربنا، والذي نأخذُ منه المنهجَ الصحيحَ لمواجهة الأخطار ومقارعة الأعداء في واقع حياتنا، فإن الله جل وعلا قد منَّ علينا بأن جعل القرآن والإسلام مُمَثلاً تمثيلاً كاملاً عظيماً في سيرة المصطفى – صلى الله عليه وسلم – ، وأرشدنا إلى ذلك ووجهنا إليه كما في قوله سبحانه وتعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [الأحزاب:21]. ونحن اليومَ في هذا الواقع الذي تعيشه أمتُنا محاطةً بأعدائها مخذولةً إلى حد كبير من قبل أبنائها، وفيها من التقصير والتفريط إضافة إلى الضعف والهوان ما فيها، نحتاج دائماً وأبداً إلى أن نرجع إلى مَعينِ السيرة العذبِ لنَنْهل منه فنروي ظمأَ قلوبِنا وفُهومِنا، ونوجهَ مسيرةَ حياتنا بإذن الله عز وجل. غزوةٌ تتميز بطابع خاص في سجل التاريخ العسكري الإسلامي، فهي مثال كامل لأرقى مراتب الفكر العسكري والسياسي معًا، وأنبل الطرق للتوفيق بين الغاية والوسيلة، وظهرت فيها سماحة الإسلام بأجلى معانيها. غزوة فتح مكة- كانت بدايةَ فتحٍ عظيمٍ للمسلمين، وقد كان الناس تبعاً لقريش في جاهليتهم، كما أنهم تبع لقريشٍ في إسلامهم، وكانت مكةُ عاصمةَ الشِّرك والوثنية، وكانت القبائل تنتظر ما يفعل رسول الله — صلى الله عليه وسلم – – مع قومه وعشيرته، فإن نصره الله عليهم، دخلوا في دينه، وإن انتصرت قريش، يكونوا بذلك قد كفوهم أمره. فقد روى البخاري عن عَمْرو بن سلمة، قال: كنَّا بماء ممر الناس وكان يمر بنا الركبان فنسألهم: ما للناس، ما للناس؟ ما هذا الرجل؟1، فيقولون: يزعم أنَّ الله أرسله، أوحى إليه أو أوحى اللهُ بكذا ، فكنت أحفظُ ذلك فكأنَّما يقِرُّ في صدري وكانت العرب تَلَوَّم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه فإنَّه إن ظهر عليهم فهو نبِي صادق، فلمَّا كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قومٍ بإسلامهم… » فيها نستطيع أن ندرك تماماً قيمة الجهاد والاستشهاد والمحن التي وقعت من قبله. إن شيئاً من هذا الجهاد والتعب والمحن لم يذهب بدداً، ولم ترق نقطة دم لمسلم هدراً، ولم يتحمَّل المسلمون كلَّ ما لاقوه مما قد علمنا في هجرتهم وغزواتهم وأسفارهم، لأنَّ رياح المصادفة فاجأتهم بها، ولكن كل ذلك كان وفق قانونٍ سماوي، وبحسب سنة الله في خلقه فكل التضحيات المتقدمة كانت تؤدي أقساطاً من ثمن الفتح والنَّصر وتلك هي سنة الله في عباده… لا نصر بدون إسلامٍ صحيحٍ ولا إسلام بدون عبودية لله، ولا عبودية بدون بذل وتضحية وضراعة على بابه وجهاد في سبيله. دروس وعبر من غزوة فتح مكة 1- على المسلمين أن يمتلكوا المبادأة: إن المبادأة أو المبادرة تعني باختصار « حرية العمل »، والذي يملك المبادأة يحرم خصمه من حرية العمل، ويجعل أعماله محصورة في نطاق »رد الفعل »، وإحراز المبادأة من أهم عوامل النجاح والنصر في السياسة والحرب على حد سواء .ولقد نقضت قريش العهد الذي أقرت بنوده في الحديبية في السنة السادسة من الهجرة وذلك عمل ينطوي – ولا شك – على « نوايا عدوانية » تتجاوز إطار عملية ثأر محدودة بين بني بكر حلفاء قريش وبني خزاعة حلفاء المسلمين، ولا بد أن يفطن السامعُ المحنك إلى ما في ذلك من خطر على الإسلام والمسلمين، فلا يقف مكتوف الأيدي أمام نوايا العدوان الذي تأمل به قريش تحقيق هدفها الإستراتيجي الكبير وهو القضاء على الدين الجديد بالهجوم على قاعدته بالمدينة. من أجل ذلك قرر الرسول الكريم — صلى الله عليه وسلم — أن يأخذ بزمام المبادرة فيسير إلى قريش في عقر دارها. 2-تحقيق المفاجأة وخداع العدو: إن المفهوم العلمي للمفاجأة أو المباغتة هو « إحداث موقف لا يكون العدو مستعدًا له ». وهناك مستويان للمفاجأة، فهي تكون « مفاجأة تكتيكية » إذا وقعت في نطاق محدود أو محلي وتم فيها إخفاء قوة الهجوم ومكانه ووقته واتجاهه عن المدافعين، فإذا تمكن المهاجم من إخفاء « نية الهجوم » نفسه تصبح المفاجأة « مفاجأة إستراتيجية »، وهذا المستوى من المفاجأة ليس أمراً يسيراً خاصة في العصر الحاضر الذي تقدمت فيه وسائل الحصول على المعلومات والتجسس تقدماً مذهلاً، لذلك فهو يتطلب تخطيطاً غايةً في المهارة والحذق والسرية والخداع وليس من شك في أن تحقيق المفاجأة له آثارُه النفسية التي تفعل فعلها في نفوس وعقول من يتعرضون لها وفي كفاءتهم وإرادتهم القتالية بالتالي. وأهم هذه الآثار أن العدو « يفقد » مزية المبادأة وحرية العمل، فتنحصر أعماله وحركاته في نطاق رد الفعل في مواجهة الطرف الآخر الذي يحاربه من (موقع قوة) بتملكه للمبادأة وحرية العمل. (قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). وقد اتخذ الرسول الكريم — صلى الله عليه وسلم – – لفتح مكة من تدابير التخطيط والتنفيذ ما يمكن معه أن نقول: إنه أحرز « المفاجأة الإستراتيجية » على أعدائه، وقد كان من آثار ذلك زعزعة إرادة قريش في المقاومة والقتال. وقد قال كعب بن مالك يصف عنايةَ الرسول — صلى الله عليه وسلم – – بإجراء العمليات الخداعية: « ولم يكن الرسول — صلى الله عليه وسلم — يريد غزوة إلا وارى بغيرها  » [رواه البخاري]، ولا غرابة في ذلك فهو عليه الصلاة والسلام القائل « الحرب خدعة » [رواه مسلم]. الكتمان- ما أحوج المسلمين اليوم أن يتعلموا الكتمان من هذه الغزوة، فأمورهم كلها مكشوفة، بل مكشفة، وأعداؤهم يعرفون عنهم كل شيء، لا تكاد تخفى عليهم، فلا سر لدى المسلمين يبقى مكتوماً. لذا هذه بعضا من المفاهيم والدروس والعبر التي نحن المسلمين بحاجة اليها اليوم اكثر من أي وقت مضى، أسأل الله ان يدبر لنا فإننا لا نحسن التدبير . محبكم د. بسام القواسمي 2/6/2018

ال البيت النبوي الشريف

 

آل البيت النبوي الشريف

إن الشرف كل الشرف، والعزة كل العزة، والفخر كل الفخر، بالقرب من الله، وحبه سبحانه للعبد، ووضع القبول له في الأرض، وهذا الحب وهذا الشرف وهذا القبول لا يتأتى بالدعاوى الفارغة من الحقيقة، أو بمجرد الانتساب إلى الدين أو الانتساب إلى بيت النبوة، دون عمل صالح يقرب من الله! { فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } المؤمنون: 101. فإذا اجتمع إلى تقوى الله-تعالى- شرف الانتساب إلى البيت النبوي، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، أما أن يدعي مدع أنه من آل البيت النبوي وهو بعيد كل البعد عن النبي ودينه وسنته وخلقه وأعماله، فذاك ليس من الله ولا من رسوله في شيء! وفي هذا تحذير من النبي صلى الله عليه وسلم فعن سعد رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول ( من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام ) أخرجه البخاري في صحيحه.

أكرم بفاطمة البتول وبعلها……وبمن هما لمحمد سبطان
غصنان أصلهما بروضة أحمد…لله در الأصل والغصنان

فأهل السنة يحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحترمونهم ويكرمونهم لقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولإسلامهم وسبقهم وحسن بلائهم في نصرة دين الله، وغير ذلك من فضائلهم؛ فاحترامهم ومحبتهم والبر بهم من توقيره صلى الله عليه وسلم واحترامه. عن ابن طاوس، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن رجل من أصحاب النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه كان يقول:  » اللَّهمَّ صلِّ على محمَّدٍ وعلى أهل بيته وعلى أزواجِه وذريَّتِه، كما صلَّيتَ على آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيدٌ، وبارِك على محمَّدٍ وعلى أهل بيته وعلى أزواجِه وذريَّتِه، كما بارَكتَ على آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيدٌ « ، قال ابن طاوس: وكان أبي يقول مثلَ ذلك.
وأمَّا ذِكرُ الصلاة على الأزواج والذريَّة، فهو ثابتٌ .

.. فيا ترى من المقصود بآل البيت:
الآل في اللغة: من الأول، وهو: الرجوع. وآل الرجل: أهل بيته وعياله؛ لأنه إليه مآلهم، وإليهم مآله.
وقد اختلف العلماء في المقصود بآل الرسول صلى الله عليه وسلم على قولين:
القول الأول: أنهم الذين حرمت عليهم الصدقة، وهم: بنو هاشم، وبنو عبد المطلب، أو بنو هاشم خاصة، أو بنو هاشم ومن فوقهم إلى غالب؛وهذا القول هو اختيار الأكثرين. ولا شك أن بعضهم أخص بكونه من آل البيت من بعض، علي، وفاطمة، والحسن، والحسين أخص من غيرهم.
ومن أدلة هذا القول:
أ- حديث (غدير خم) عن زيد بن أرقم أن النبي- صلى الله عليه وسلم- خطبهم، وفيه: أنه حث على التمسك بكتاب الله ورغب فيه، ثم قال:(وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي)، فقال له: حصين: ومن أهل بيته يا زيد، أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم. وفي رواية: قيل من أهل بيته؟ نساؤه؟ قال: لا، وايم الله، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته: أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة من بعده).
ب- حديث عمر بن أبي سلمة قال: نزلت هذه الآية على النبي-صلى الله عليه وسلم-: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا } الأحزاب: 33، في بيت أم سلمة، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم، فاطمة وحسنا وحسينا فجللهم بكساء، وعلي خلف ظهره فجلله بكساء، ثم قال:(اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا).
القول الثاني: أنهم ذريته وأزواجه خاصة:ومن أدلة هذا القول:
أ- قوله -تعالى-: { يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة. . . } حتى قوله: { وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا } الأحزاب: 30-33 فدخلن في آل البيت ؛ لأن هذا الخطاب كله في سياق ذكرهن، فلا يجوز إخراجهن من شيء منه.
ب – ما جاء في روايات حديث الصلاة على النبي-صلى الله عليه وسلم- بعد التشهد: (اللهم صل على محمد وآل محمد)، قالوا: فإنه مفسر بمثل حديث أبي حميد:(اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته) ، فجعل مكان الآل: الأزواج، والذرية؛ مفسرا له بذلك.
ج – أن الله-تعالى-جعل امرأة إبراهيم من آله، فقال:{ رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت. . } هود: 73، كما جعل امرأة لوط من أهله، فقال: { إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك. . } العنكبوت: 33.
وقيل في معنى (الآل) أقوال أخرى لا تصح.
والقول الصحيح الراجح: شمول الآل للقرابة والأزواج، وهو الذي تجتمع عنده الأدلة السابقة، والعجب من تعصب كل لقوله! مع أنه لم يرد حصر الآل في أحد القولين السابقين، والقول بأحد القولين يقتضي إهمال بعض الأدلة أو تأويلها، ومعلوم أن الجمع بين الأدلة مع الإمكان أولى من إهمال بعضها، وهذا القول هو اختيار كثير من أهل العلم.

ثانيا: خصائصهم ومناقبهم
خصائصهم-
أ- تحريم أكل الصدقة عليهم، قال-صلى الله عليه وسلم-: (إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد)
ب- إعطاؤهم خمس خمس الغنيمة، وخمس الفيء، قال -تعالى-: { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. . } الأنفال: 41، وقال: { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. . } الحشر: 7.
ج- فضل النسب وطهارة الحسب، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفاني من بني هاشم).
2- فضائلهم العامة:
أ- تخصيصهم بالصلاة عليهم: وذلك كما في التشهد في الصلاة عليه وعلى آله.
ب- وصية الرسول بهم: كما تقدم.
جـ – أن بقاؤهم أمان للأمة واقتفاؤهم نجاة لها :
عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله وتمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي) وفي لفظ: (كتاب الله هو حبل الله المتين من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على الضلالة) رواه مسلم.
اللهم اجمعنا معهم في مستقر رحمتك يا أكرم مسؤول.
كتبه/ د. بسام القواسمي 5/10/2017

بشارات الله تعالى لعباده المؤمنين الصالحين


وقال الله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا * قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا} [الكهف: 1 – 3]. وقال الله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الشورى: 23]. وقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} [فصلت: 30، 31]. وعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَمْشِي وَحْدَهُ، وَلَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ، قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ القَمَرِ، فَالْتَفَتَ فَرَآنِي، فَقَالَ: «مَنْ هَذَا» قُلْتُ: أَبُو ذَرٍّ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ تَعَالَهْ» قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً.. فَقَالَ لِي: «اجْلِسْ هَا هُنَا»، قَالَ: فَأَجْلَسَنِي فِي قَاعٍ حَوْلَهُ حِجَارَةٌ، فَقَالَ لِي: «اجْلِسْ هَا هُنَا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ» قَالَ: فَانْطَلَقَ فِي الحَرَّةِ حَتَّى لاَ أَرَاهُ، فَلَبِثَ عَنِّي فَأَطَالَ اللُّبْثَ، ثُمَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُقْبِلٌ، وَهُوَ يَقُولُ: «وَإِنْ سَرَقَ، وَإِنْ زَنَى». قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ لَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، مَنْ تُكَلِّمُ فِي جَانِبِ الحَرَّةِ، مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرْجِعُ إِلَيْكَ شَيْئًا؟ قَالَ: «ذَلِكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، عَرَضَ لِي فِي جَانِبِ الحَرَّةِ، قَالَ: بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ. قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، وَإِنْ سَرَقَ، وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ، وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَإِنْ شَرِبَ الخَمْرَ» ،
5- البِشَارةُ بالنَّارِ للكافرين والمنافقين سخريةً منهم: قال الله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 3]، والبِشارةُ إنما تكونُ بالمسرَّاتِ، وإنما جاءَ هذا على سبيلِ التهكم بهم؛ بشِّرْ هؤلاء الكفرةِ بالعذابِ الأليمِ في الدنيا والآخرةِ. وقال سبحانه وتعالى: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 138]. … فلتصبروا أيها المؤمنون الصادقون؛ فإن وعد الله آت ولو بعد حين، والعاقبة للمتقين، والغلبة لجند الله الصادقين، والنعيم في الجنة للمتقين، نسأل الله أن يشملنا برحمته أجمعين.. د. بسام القواسمي ٢٥/كانون اول ٢٠٢٠ م


فَقَالَ: «لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ لَيُمْشَطُ بِمِشَاطِ الحَدِيدِ، مَا دُونَ عِظَامِهِ مِنْ لَحْمٍ أَوْ عَصَبٍ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُوضَعُ المِنْشَارُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَلَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، مَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ». وفي رواية: «وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» ، وعَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا..». وعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلاَ يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الإِسْلاَمَ، وَذُلاًّ يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ» ، وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: «بَشِّرْ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ، وَالنَّصْرِ، وَالتَّمْكِينِ، فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الآخِرَةِ لِلدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الآخِرَةِ نَصِيب».
2- البِشَارَةُ بأنَّ مع العسرِ يسرًا، وبعد الشِّدَّة فرجًا: لابُدَّ في الحياة الدنيا من بلايا وملمَّاتٍ، ومحنٍ واختباراتٍ، فهذه طبيعتُها، وتلك سنَّتُها، وما خلقَ الله الحياةَ إلا لابتلاءِ العبادِ بمقارعِ الدهرِ ونوائبِه، قال الله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 2]. لكنَّ المؤمنين لمَّا حلَّتْ بهم الشدائدُ استبشروا بقربِ الفرجِ، وعلِمُوا أنَّ بعد العسْرِ يُسْرًا، ولكلِّ ضيقٍ مخرجا، ولكلِّ همٍّ فرجًا؛ قال الله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5، 6]. {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا} [يوسف: 110]. لمَّا اشتد الظلام علِمنا أنَّ الفجرَ قابَ قوسين أو أدنى، ولمَّا عظُمَ البلاءُ واشتدَّ الخَطْبُ علِمْنا أنَّ الغُمَّة ستزولُ عمَّا قريبٍ، فالصالحون دائمًا إذا أصابتْهم بليّةٌ علِموا أنها لا تدومُ، قال الله: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا} [آل عمران: 140]. فالله يكشِفُ البَلايا، ويعلَمُ الخفايا، قال الله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} [فاطر: 44]. فدومًا تفاءل خيرًا، وأبشر برًّا، واعلمْ أنَّ الله رحيمٌ بعبادِه، لطيفٌ بهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «أَلا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهِنَّ؟ فَقُلْتُ: بَلَى. فَقَالَ: « احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ.. وَاعْلَمْ أنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» .
قال الشافعيّ رحمه الله:
وَلَرُبَّ نَـــــــــازِلَةٍ يَضِيقُ لَهَا الْفَتَى ذرعـاً وعند الله منها المخرجُ
ضاقت فلمَّا استحكمت حلقاتها فرجت وكنتُ أظنُّهـــا لا تُفرجُ
3- البِشَارةُ بالمغْفرةِ للمؤمنين: قالَ الله تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} [يس: 11].
4- البِشَارةُ بالجنَّةِ للمؤمنين: بشَّرَ الله تعالى المؤمنين بأعظمِ بشارةٍ لهم وهي: دخولِ جنَّاتِ النعيم؛ قالَ الله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [البقرة: 25]. وقال الله سبحانه: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [يونس: 2]. قال الطبري : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: {قَدَمَ صِدْقٍ}. قال: وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ أَنَّ لَهُمْ أَعْمَالًا صَالِحَةً عِنْدَ اللَّهِ يَسْتَوْجِبُونَ بِهَا مِنْهُ الثَّوَابَ. وقال الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التوبة: 20، 22].


والآية الثانية: قوله سبحانه: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112].
والآية الثالثة: قولُه سبحانه: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 87].
والآية الرابعةُ: قولُه سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف: 10 – 13]. وقال الله تعالى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 17، 18]… بشَّرهمُ الله تعالى بالفضلِ الكبيرِ منه سبحانه وتعالى، فقال سبحانه: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا} [الأحزاب: 47]. وقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء: 9]. وبشَّرهمُ سبحانه وتعالى بالخير في الدنيا والآخرة؛ فقال جلَّ شأنه: {الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [يونس: 63، 64].
ثانيهم: المخبتون: قال الله تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الحج: 34، 35].
ثالثهم: الصابرون: قال الله تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 – 157]. رابعهم: المحسنون: قال الله تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} [الحج: 37]. وقال الله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ} [الأحقاف: 12].
خامسهم: الكافرون والمنافقون تهكمًا بهم: قال الله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة:3].
وإليكم أنواعُ البشاراتِ في القرآن والسنة:
1- البشارة بالنصر والتمكين للمؤمنين: من بُشرى الخير التي بشر الله بها عبادَه المؤمنين في الدنيا تبشيرُهم بالنصر والتمكين، قال الله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} [النور:55]. فلقد وعد الله بنصر عباده المؤمنين، وإعزاز دينه؛ قال الله تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات:171-173]. وقال سبحانه تعالى: {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم:47]. وسبق ذكر قول الله تعالى: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف: 13]. وبشَّر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأمةَ بالنصرِ والظَّفَرِ، قال خَبَّابُ بنُ الأرَتّ رضي الله عنه: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً، وَهُوَ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ وَقَدْ لَقِينَا مِنَ المُشْرِكِينَ شِدَّةً، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ، فَقَعَدَ وَهُوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ.


 ….
في زمانٍ الغربة الذي يعيشه المؤمنون الصادقون، ، تأتي البشارات من الله تعالى ومن رسولِه الأمين صلى الله عليه وسلم للمؤمنين بقرب الفرج، وزوال الكرب، وعز الإسلام وأهلِه ،وكشف الضر والأمراض ورفع البلاء … في هذه الحياة الدنيا التي فيها من صنوف الملذات والشهوات المحرمة ما يملأ قلوب المؤمنين خوفا ووجلا من الاقتراب منها، تأتي البشارة من الله تعالى لهؤلاء المؤمنين بأنَّ لهم في الجنة من النعيم المقيم ما يسعدون به ولا يشقون أبدًا.
جاءَ آيات البشرى في القرآنُ الكريمُ لتبشيرِ المؤمنين؛ فقد قال الله تعالى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} [مريم: 97]. وقال الله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]. وقال الله تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ * هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [النمل: 1، 2]. وقال الله تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 97]. وقال سبحانه وتعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 102]….فجاءَ القرآنُ الكريمُ لتبشِيرِ المؤمنين بالخيرِ العظيمِ من ربِّ العالمين، وعلى نهْجِ القرآنِ كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم؛ فلقد كانَ يعلَمُ أصحابَه رضي الله عنهم أن يستبشِروا بالخيرِ والفضْلِ. وجاءت الرؤيا الصالحة من الله لتبشير المؤمنين؛ فعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ، وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا، وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، وَالرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ: فَرُؤْيَا الصَّالِحَةِ بُشْرَى مِنَ اللهِ، وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ، فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ، وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ» ، وفي لفظٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا المُبَشِّرَاتُ». قَالُوا: وَمَا المُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ» ،وأمرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أصحابه رضوان الله عليهم أن يستبشِروا بالخير دائمًا؛ فعَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ نَازِلٌ بِالْجِعْرَانَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، وَمَعَهُ بِلاَلٌ فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: أَلاَ تُنْجِزُ لِي مَا وَعَدْتَنِي؟ فَقَالَ لَهُ: «أَبْشِرْ». فَقَالَ: قَدْ أَكْثَرْتَ عَلَيَّ مِنْ أَبْشِرْ. فَأَقْبَلَ عَلَى أَبِي مُوسَى وَبِلاَلٍ كَهَيْئَةِ الغَضْبَانِ، فقَالَ: «رَدَّ البُشْرَى، فَاقْبَلاَ أَنْتُمَا». قَالاَ: قَبِلْنَا، وعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ نَفَرٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «يَا بَنِي تَمِيمٍ أَبْشِرُوا». قَالُوا: بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا، فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، فَجَاءَهُ أَهْلُ اليَمَنِ، فَقَالَ: «يَا أَهْلَ اليَمَنِ! اقْبَلُوا البُشْرَى إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ». قَالُوا: قَبِلْنَا ، بل كان صلى الله عليه وسلم يحثهم على تبشير الناس بالخير، فعَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا بَعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ، قَالَ: «بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا» … أما أصنافُ المبشَّرين في كتابِ الله تعالى: فقد بشر الله تعالى في كتابه الكريم صنوفًا من الناس:
أولهم: المؤمنون: لقد بشَّر الله عبادَه المؤمنين كثيرًا في كتابه الكريم؛ وفي آيات أربع من كتابِ الله تعالى تنتهي الآية بقول الله تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} بشِّرهم بماذا؟ لم يذكرْ ربُّ العالمين؛ ليدلَّ على عظم البشارة. الآية الأولى: قول الله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 223].

خطب جمعة متفرقة

ماذا تعرف عن أمراض القلوب؟
الحمد لله الذي صرف الأمور بتدبيره وعدل تركيب الخلق فأحسن في تصويره وزين صورة الإنسان بحسن تقويمه وتقديره وحرسه من الزيادة والنقصان في شكله ومقاديره وفوض تحسين الأخلاق إلى اجتهاد العبد وتشميره واستحثه على تهذيبها بتخويفه وتحذيره وسهل على خواص عباده تهذيب الأخلاق بتوفيقه وتيسيره وامتن عليه بتسهيل صعبه وعسيره والصلاة والسلام على محمد عبد الله ونبيه وحبيبه وصفيه وبشيره ونذيره الذي كان يلوح أنوار النبوة من بين أساريره ويستشرف حقيقة الحق من مخايله وتباشيره وعلى آله وأصحابه الذين طهروا وجه الإسلام من ظلمة الكفر ودياجيره وحسموا مادة الباطل فلم يتدنسوا بقليله ولا بكثيره .
أما بعد فالخُلُق الحسن صفةُ سيد المرسلين وأفضل أعمال الصديقين وهو على التحقيق شطر الدين وثمرة مجاهدة المتقين ورياضة المتعبدين.
والأخلاق السيئة هي السموم القاتلة والمهلكات الدامغة والمخازي الفاضحة والرذائل الواضحة والخبائث المبعدة عن جوار رب العالمين المنخرطة بصاحبها في سلك الشياطين وهي الأبواب المفتوحة إلى نار الله تعالى الموقدة التي تطلع على الأفئدة.
كما أن الأخلاق الجميلة هي الأبواب المفتوحة من القلب إلى نعيم الجنان وجوار الرحمن والأخلاق الخبيثة أمراض القلوب وأسقام النفوس إلا أنه مرض يفوت حياة الأبد وأين منه المرض الذي لا يفوت إلا حياة الجسد
واعلموا أن قلب الإنسان يتألم بما يتألم به بدنه، ويشقى بما يشقى به البدن، وأمراض القلب التي تزول بالأدوية الطبيعية من جنس أمراض البدن، وهذه قد لا توجب وحدها شقاءه وعذابه بعد الموت.
وأما أمراض القلب التي لا تزول إلا بالأدوية الإيمانية النبوية، فهي التي توجب له الشقاء والعذاب الدائم، إن لم يتداركها بالأدوية المضادة لها، فإذا استعمل تلك الأدوية حصل له الشفاء.
فالغيظ مثلاً مؤلم للقلب، ودواؤه في شفاء غيظه، فإن شفاه بحق اشتفى، وإن شفاه بظلم وباطل زاد مرضه، واستحق العقوبة عليه، كمن شفى مرض العشق بالفجور بالمعشوق.
وكذلك الهم والغم والحزن من أمراض القلب، وشفاؤها بأضدادها من الفرح والسرور والأنس..فإن كان بحق شفي القلب، وصح وبرئ من مرضه، وإن كان بباطل توارى ذلك واستتر، وأعقب أمراضًا أصعب وأخطر.
وكذلك الجهل مرض مؤلم للقلب، فمن الناس من يداويه بعلوم لا تنفع، بل تزيده مرضًا إلى مرضه، وإنما شفاؤه وصحته بالعلوم الإيمانية النافعة.
وكذلك الشاك المرتاب في الشيء، يتألم قلبه حتى يحصل له العلم واليقين به، ولما كان ذلك يوجب له حرارة، قيل لمن حصل له اليقين ثلج صدره، وحصل له برد اليقين.
فمن أمراض القلوب ما يزول بالأدوية الطبيعية، ومنها ما لا يزول إلا بالأدوية الشرعية الإيمانية فانظر بأيهما تشفى !!!… د. بسام القواسمي

في يوم عاشوراء
نحن أمام قضية ومغزى عظيمين أمام غرة محرم لهذا العام الهجري وكم لهذه القضية من مغزىً عظيم يجدر بأمة الإسلام اليوم تذكره والتقيد به؟! كيف وقد فُتن بعض أبنائها بتقليد غير المسلمين والتشبه بهم في تاريخهم وأعيادهم؟! أين عزة الإسلام؟! وأين هي شخصية المسلمين؟! هل ذابت في خضم مغريات الحياة؟! فإلى الذين تنكروا لثوابتهم، وخدشوا بهاء هويتهم، وعملوا على إلغاء ذاكرة أمتهم، وتهافتوا تهافتاً مذموماً، وانساقوا انسياقاً محموماً خلف خصومهم، وذابوا وتميعوا أمام أعدائهم.
ننادي نداء المحبة والإشفاق: رويدكم، فنحن أمة ذات أمجاد وأصالة، وتاريخ وحضارة، ومنهج متميز منبثق من كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم.فلا مساومة على شيء من عقيدتنا وثوابتنا وتاريخنا، ولسنا بحاجة إلى تقليد غيرنا، بل إن غيرنا في الحقيقة بحاجة إلى أن يستفيد من أصالتنا وحضارتنا؛ لكنه التقليد والتبعية، والمجاراة والانهزامية، والتشبه الأعمى من بعض المسلمين -هداهم الله-
، وقد حذر صلى الله عليه وسلم أمته من ذلك بقوله فيما أخرج الإمام أحمد ، وأهل السنن: { من تشبه بقوم فهو منهم } والله المستعان!
ولعلني أشير إلى إشارات ولطائف سريعة بهذا المقام منها إلى حدث عظيم في شهر الله المحرم، فيه درس بليغ على نصرة الله لأوليائه، وانتقامه من أعدائه مهما تطاول، إنه حدث قديم؛ لكنه بمغزاه متجدد عبر الأمصار والأعصار.
إن هذه النعمة التي أنعم الله بها علينا، فنجى موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، لنعمة عظمى تستوجب الشكر،
إنه يوم انتصار نبي الله وكليمه موسى عليه السلام، وهلاك فرعون الطاغية، وكم في هذه القصة من الدروس والعبر والعظات والفكر للدعاة إلى الله في كل زمان ومكان؟! فمهما بلغ الكيد والأذى والظلم والتسلط فإن نصر الله قريب، ويا لها من عبرة لكل عدو لله ولرسوله ممن مشى على درب فرعون؛ أن الله منتقم من الطغاة الظالمين، طال الزمان أو قصر!فيوم الهجرة ويوم عاشوراء يومان من أيام النصر الخالدة. ألا فليقر أعيناً بذلك أهلُ الحق ودُعاتُه، فالعاقبة للمتقين، وليتنبه لذلك قبل فوات الأوان أهلُ الباطل ودُعاتُه: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى } [النازعات:26] { إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ } [الفجر:14]
وإن في الحوادث لَعِبَراً، وإن في التاريخ لَخَبَراً، وإن في الآيات لَنُذُراً، وإن في القصص والأخبار لَمُدَّكَراً ومُزْدَجَراً: { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [يوسف:111].اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أعمالنا أواخرها، وخير أيامنا يوم نلقاك.
– ويوم عاشوراء ربط بين أهل الإيمان ولو اختلفت أنسابهم ولغاتهم فأصله ارتبط بموسى ومن معه من المؤمنين،ثم امتد لكل مؤمن ؛وإلا فإن أهل الكتاب أقرب لموسى _عليه السلام_ من حيث النسب
– يوم عاشوراء يدل على أن الأنبياء بعضهم أولى ببعض ؛ففي رواية « أنا أولى بموسى منكم »وهذه الولاية لاتحادهم في الدين والرسالة
– صيام عاشوراء يدل أن هذه أمتنا أولى بأنبياء الأمم من قومهم الذين كذبوهم،ويدل عليه قوله »أنتم أحق بموسى منهم »وهذه ميزة لهذه الأمة ،فإنهم يكونون شهداءعلى تبليغ الأنبياء دينهم يوم القيامة.
– يوم عاشوراء تذكير لأهل الأرض عامة بنصرة الله لأوليائه، وهذا يجدد في النفس كل سنة البحث عن هذه النصرة وأسبابها. كما أنه يجدد في النفس الأمل ويبعث التفاؤل بهزيمة الله لأعدائه.
– في عاشوراء دليل على تنوع النصر بالنسبة للمسلمين، فقد لا يكون النصر على الأعداء بهزيمتهم والغنيمة منهم، بل قد يكون النصر عليهم بهلاكهم وكفاية المسلمين شرهم كما حدث مع موسى _عليه السلام، وكما حدث مع النبي _صلى الله عليه وسلم_ في الخندق.
– يوم عاشوراء تأكيد على وجوب مخالفة هدي المشركين حتى في العبادة ،ويدل لهذه المخالفة:أن اليهود والنصارى اتخذوه عيداً ،فأمرهم صلى الله عليه وسلم بصيامه.كما حث أن يصام التاسع معه .
– أيام عاشوراء دليل على عظم كرم الله _سبحانه_، وأنه يعطي الجزاء الأوفى على العمل القليل فتكفير سنة كاملة بصيام يوم واحد

اللهم اجعل حاضرنا خيراً من ماضينا، ومستقبلنا خيراً من حاضرنا إنك خير مسئول وأكرم مأمول.
فاتحة شهور العام؛ شهر الله المحرم، إنه من أعظم شهور الله جل وعلا، عظيم المكانة، قديم الحرمة، رأس العام، من أشهر الله الحرم، فيه نصر الله موسى وقومه على فرعون وملئه.

ومن فضائله: أن الأعمال الصالحة فيه لها فضل عظيم، لا سيما الصيام، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل }.

دكتور قواسمي, [16.03.21 20:35]
وأفضل أيام هذا الشهر -يا عباد الله- يوم عاشوراء، في الصحيحين : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: { قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء، فقال لهم: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً، فنحن نصومه، فقال صلى الله عليه وسلم: نحن أحق بموسى منكم، فصامه صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه }.

وفي صحيح مسلم : عن أبي قتادة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صيام يوم عاشوراء، فقال: { أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله } الله أكبر! يا له من فضل عظيم، لا يفوته إلا محروم!
وقد عزم صلى الله عليه وسلم على أن يصوم يوماً قبله مخالفة لأهل الكتاب، فقال صلى الله عليه وسلم: { لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع } خرَّجه مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

لذا فيستحب للمسلمين أن يصوموا ذلك اليوم اقتداءً بأنبياء الله، وطلباً لثواب الله، وأن يصوموا يوماً قبله أو يوماً بعده مخالفة لليهود، وعملاً بما استقرت عليه سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
فيا له من عمل قليل، وأجر كبير وكثير من المنعم المتفضل سبحانه!
قال الإمام عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون بن جاهمة بن العباس بن مرداس السلمي الفقيه المشهور، أحد أئمة المالكية،

لا تَنْسَ لا ينسِكَ الرحمنُ عاشورا … واذكره لا زِلتَ في الأخبار مذكورا
قالَ الرَّسولُ صلاة الله تشمله … قولاً وجدنا عليه الحقَّ والنورا
من بات في ليل عاشوراء ذا سعةٍ … يكنْ بعيشهِ في الحول محبورا
فارغب فديتك فيما فيه رغَّبنا … خيرُ الورى كلِّهم حيّاً ومقبورا

اتفاقية جليلة ولد النبي يوم الاثنين وبعث يوم الاثنين وهاجر يوم الاثنين وتوفي يوم الاثنين .
اتفاقية أخرى قتل عبد الله بن زياد الحسين بن علي عليهما السلام يوم عاشوراء وقتله الله على يد إبراهيم بن الأشتر في يوم عاشوراء .
أخرى قال عبد الملك بن عمير الليثي رأيت في قصر الإمارة بالكوفة رأس الحسين بن علي بين يدي عبد الله بن زياد على ترس ثم رأيت فيه رأس عبد الله بن زياد بين يدي المختار بن أبي عبيد ثم رأيت فيه رأس المختار بين يدي مصعب بن الزبير ثم رأيت فيه رأس مصعب بين يدي عبد الملك بن مروان قال فحدثت بهذا عبد الملك بن مروان فتطير منه ففارق مكانه.

باب في الصيام المستحب
و المستحب صيام يوم بعده فطر ليوم وضح اليومان
وكذاك الاثنين خميس مثلهأيام بيض فضلها متساني
مع ستة من عرض شوال أتت**ومحرم و العظم من شعبان
سنة يكفر صوم عاشوراء مع**عرفات فيه كفرت سنتان

من أعجب ما ورد في عاشوراء أنه كان يصوم الوحش و الهوام و قد روي مرفوعا : [ أن الصرد أول طير صام عاشوراء ] أخرجه الخطيب في تاريخه و إسناده غريب و قد روى ذلك عن أبي هريرة و روي عن فتح بن شخرف قال كنت أفت للنمل الخبز كل يوم فلما كان عاشوراء لم يأكلوه و روي عن القادر بالله الخليفة العباسي أنه جرى له مثل ذلك و أنه عجب منه فسأل أبا الحسن القزويني الزاهد فذكر له أن يوم عاشوراء تصومه النمل و روى أبو موسى المديني بإسناده عن قيس بن عباد قال : بلغني أن الوحش كانت تصوم عاشوراء و بإسناد له عن رجل أتى البادية يوم عاشوراء فرأى قوما يذبحون ذبائح فسألهم عن ذلك فأخبروه أن الوحوش صائمة و قالوا : اذهب بنا نرك فذهبوا به إلى روضة فأوقفوه قال : فلما كان بعد العصر جاءت الوحوش من كل وجه فأحاطت بالروضة رافعة رؤوسها إلى السماء ليس شيء منها يأكل حتى إذا غابت الشمس أسرعت جميعا فأكلت.

ومن الجدير بالذكر أن الحسن رضي الله عنه عاش حتى كانت خلافة معاوية رضي الله عنه , فتنازل عنها لمعاوية رضي الله عنه ليحقن دماء المسلمين . ثم سكن المدينة ومات فيها أيام معاوية . أما الحسين رضي الله عنه فامتد به العمر حتى مات معاوية رضي الله عنه , وولي من بعده ابنه يزيد فخرج من مكة إلى العراق حتى وصل إلى كربلاء المدينة العراقية المشهورة , فلما وصل إليها سأل عنها ؟ قيل له كربلاء قال بل كرب وبلاء , أخذ اشتقاقها من اسمها فكان ما كان . قتل رضي الله عنه في يوم عاشوراء العاشر من محرم , ولذلك الشيعة يحيون هذا اليوم كما هو معلوم.
كتبه / د. بسام القواسمي 28/9/2017

مراقبة الله ثمرة للعمل الصالح
قبل يومين بدأت المدارس وتوافد الطلاب عليها وما زال أسلوبنا في التدريس -الا من رحم – باعطاء الواجبات ، ورفع أسعار الوجبات ، وحمل الكتب والانتظام بالزي المدرسي الأمر الذي يجعل الطالب محصورا بهذه الأوامر ، ولم نرشدهم الى القدوة ، ولم نربيهم على حب العلم ناهيك أننا لم نبتدع أي مسار جديد يطلقهم الى التفكير والإبداع .
نريد أن نربى أبناءنا على مراقبة علام الغيوب ، وتعال معى نتجول فى هذا الدرس الذى أراد أحد الأساتذة الكرام أن يعلمه لطلابه ، وأراد أن يربى طلاب علمه على مراقبة الله جل وعلا تربية عملية على أرض الواقع ، وها هو يدفع لكل تلميذ من تلاميذه دجاجة أو طائر وهو يقول فيذهب كل تلميذ وليذبح هذا الطائر فى مكان لا يراه فيه أحد ، فذهب كل تلميذ بطائره فى مكان يغيب فيه عن أعين الناس حتى يذبح طائره ويعود به إلى أستاذه ، ونظر الأستاذ فوجد تلميذاً نجيباً جاء بطائره ولم يذبحه فقال له ، لماذا لم تذبح طائرك ؟! فقال : يا أستاذى لقد طلبت منا أن نبحث عن مكان لا يرانا فيه أحد ، وما من مكان ذهبت إليه إلا ورأيت أن الله يرانى ، فأين أذبحه ؟!
إذا خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علىَّ رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما عليه يغيب
أليس هو القائل جل جلاله : (( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ المجادلة : 7 ].
فأنتقل بكم معاشر المسلمين مع عصر آخر من العصور المتأخرة غير عصر الصحابة مع رجل اسمه نوح بن مريم، لنرى كيف كانت المراقبة لله وكيف كانت نتائجها، كان رجلاً صالحًا تقيًا وكان غنيًا أنعم الله عليه، وكان عنده ابنة تقية عابدة غاية في الجمال، وكان عنده عبدٌ اسمه مبارك، كان لا يملك من الدنيا قليلاً ولا كثيرًا, لكنه يملك رقابة الله.
أرسله سيده إلى بساتينه وقال له: اذهب إلى تلك البساتين واحفظ ثمرها وقم على خدمتها إلى أن آتيك، فذهب وبقي في البساتين شهرين وجاءه سيده في يوم ليستجم في بساتينه، وقال لعبده مبارك: ائتني بقطفٍ من عنب. فجاءه بقطف من عنب, فإذا هو حامض، فقال له سيده: ائتني بقطفٍ آخر. فجاءه بقطفٍ من العنب, فإذا هو حامض، فقال له: ائتني بقطفٍ آخر. فجاءه بقطفٍ ثالث, فإذا هو حامض، فغضب سيده وقال له: يا مبارك أطلب منك قطف عنب قد نضج وتأتيني بقطفٍ لم ينضج ألا تعرف حلوه من حامضه؟!
قال: والله ما أرسلتني لآكله إنما أرسلتني لأحفظه وأقوم عليه، والله الذي لا إله إلا هو ما ذقت منه عنبة واحدة، والله الذي لا إله إلا هو, ما راقبتك ولا راقبت ساهرًا من بشر، ولكني راقبت الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
فأعجِب هذا السيد بعبده مبارك وبأمانته وتقواه، فأعتقه لوجه الله وزوجه بابنته، فكان من نسله ونسلها علمُ من أعلام المسلمين, إنه عبد الله بن المبارك.
وفي التوجيهات النبوية كثير من الروائع الممتعة التي تضع الأب والأم أمام مسؤولياتهما تجاه الأولاد بتربيتهم والعناية بهم :
قال عليه الصلاة السلام: (( كلكم راع . . الرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته ، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها . . الخادم . . )) ، ((لأن يؤدب الرجل ولده خير من أن يتصدق بصاع )) (( ما نحل والد ولداً أفضل من أدبٍ حسن )) وقال عليه السلام: ((إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع )).
وهكذا كانت المرأة المسلمة, كانت تودع زوجها كل يوم وتوصيه بمراقبة الله وتقول له: اتق الله فينا, راقب الله فينا, ولا تطعمنا إلا حلالاً, فإن أجسادنا تقوى على جوع الدنيا ولا تقوى على حر نار جهنّم.
إنها مراقبة الله في السر والعلن، واستشعار رقابته جلّ وعلا في كل وقت ومكان..فتأمل!!
الدكتور /بسام القواسمي 7/9/2017

مشهد في يوم عرفة

قال تعال عند المشعر الحرام, واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين). سورة البقرة: 198

لا يسعني في هذه الأيام المباركة الا أن أنتقل بكم الى أرض عرفات لنشهد معا بقلوبنا ى: (فاذا أفضتم من عرفات فاذكروا اللهوأرواحنا وخواطرنا وعواطفنا مشهد الحج الأكبر حيث يحتشد المسلمون حجاج بيت الله الحرام في أرض عرفات, وقد تجرّدوا من كل مظاهر المادة وشهوات الدنيا وجواذب الأرض, وانعتقوا من سلطان الأهواء ورغائب النفوس, وأظهروا غاية الخضوع والتذلل بين يدي الله رب العالمين, وأقبلوا عليه بقلوبهم وأفكارهم وعواطفهم وجوارحهم يدعونه تضرّعا وخفية سرا وجهرا, ويناجونه بألسنتهم وقلوبهم ودموعهم وجوارحهم, ورائدُهم في ذلك قوله تعالى:{ وقال ربكم ادعوني أستجبْ لكم}, وقوله:{ واذا سألك عبادي عني فاني قريب, أجيب دعوة الداع اذا دعان, فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون}, وقوله عليه الصلاة والسلام: » الدعاء هو العبادة », وقوله: » ليس شيء أكرم على الله من الدعاء ».
تحس, أخي المسلم – أختي المسلمة ، كأن كل ذرة من ذرات أبدانهم وكل خفقة من خفقات قلوبهم وكل دمعة تسيل من عيونهم قد أصبحت لسانا ينطق وفما يتكلم, فيقول: ( يا الله يا رب العالمين يا مجيب السائلين يا قابل التائبين), فتتبدّل أحوال العباد في ذلك الموقف العظيم والمشهد الرحيم الذي تتدفق فيه أنوار الهداية, وتتنزل فيه شآبيب الرحمة, ويزخر بالعفو والرضوان, حيث يفيض غيثا من الواحد الديّان الذي ينظر الى عباده المؤمنين, وهم يقفون في عرفات متجرّدين من مظاهر الدنيا ورفاهية الحياة, لا يبالون بشدّة الحر ولا بوعثاء الوقوف صغارا وكبارا, رجالا ونساء, ضعفاء وأقوياء, شيوخا وشبانا, الجميع على صعيد واحد وقفوا يسألون الله سبحانه, وقد تصاعدت أصواتهم, وارتفع بكاؤهم, وزاد نحيبهم, وتسامى دعاؤهم, فيتجلى الله برحمته وعفوه ورضوانه عليهم, وقد أشرقت في آفاق الموقف أنوار قوله الكريم:{ ورحمتي وسعت كل شيء , فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون}.
فينظر الله تعالى الى حشد عباده وتضرّعهم وابتهالهم، ويسمع بكاءهم ودعاءهم ورجاءهم، فيخاطب ملائكته كما قال عليه الصلاة والسلام: » ان الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء، فيقول لهم: انظروا الى عبادي جاؤوني شعثا غبرا اشهدوا أني قد غفرت لهم}.. فيا ربي اكتب لنا حجا مع الحاجين واجعلنا من خيرة عبادك المكرمين.

محبكم / د. بسام القواسمي / 23/8/2017


من مزايا فريضة الحج ( قربة ونبذ الفرقة)

قال تعالى: ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) .
وعن أبي هريرة قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت ، حتى قالها ثلاثا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم . رواه مسلم
ويدخل في شرط الاستطاعة القدرة البدنية والمالية ، وذلك بأن يملك الزاد والراحلة بعد حاجاته الأصلية، ومن شرط الاستطاعة بالنسبة للمرأة أن يتيسر لها محرم يحج معها، وأن لا تكون معتدة لأنها منهية عن الخروج من البيت إلا بوجود رفقة مأمونة .
وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من تأخير الحج مع الاستطاعة أشد تحذير، فقد ثبت في المسند عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (تعجلوا إلى الحج فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له ) . وعند ابن حبان عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى يقول: إن عبدا أصححت له جسمه ، ووسعت عليه في معيشته ، تمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إلي لمحروم) .
فإن كان من لا يحج في كل خمسة أعوام محروما، فما عسانا نقول لمن لم يحج حتى الآن حج الفريضة ، مع تيسر السبل وكثرة الحملات وسهولة السفر وقصر المدة .
وما عسانا ان نقول في الوقت الحاضر وقد ازدادت التبعات وأصبحت تباع الفيزات ، من قبل مجالس الأمه وأهل الجاهات، والفقير يجأر الى الله في الخلوات؛ يا رب ليس ليي نصيب في السفارة ولا وزارة الأوقاف والمقدسات.
وقد روى البيهقي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار , فينظروا كل من كان له جدة ولم يحج , فيضربوا عليهم الجزية , ما هم بمسلمين , ما هم بمسلمين ) .
أذكِّرك أخي وأختي يا رعاكم الله أن فضل الحج عظيم وأجره جزيل , ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما , والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة )) .
قال ابن حجر: « والحج المبرور هو الذي وفيت أحكامه ، ووقع على أكمل الوجوه، الخالي من الآثام ، والمحفوف بالصالحات والخيرات من الأعمال »، وقال النووي رحمه الله: « الحج المبرور هو الذي لم يخالطه إثم ».
وفي الصحيحين أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه)) أي: رجع عاريا من الذنوب ، ليس عليه ذنب ولا خطيئة.
وعند أحمد والترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة ، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة) .
وعند الطبراني بسند حسن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما أهل مُهِل قط ولا كبر مكبر قط إلا بُشِر بالجنة)) .
وعند الترمذي والنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم : ((من طاف بالبيت أسبوعا [أي سبعة أشواط] فأحصاه [أي أتمه وأتى بشروطه وآدابه]كان كعتق رقبة، لا يرفع قدما ولا يضع أخرى إلا حط الله عنه بها خطيئة ، وكتب له بها حسنة)) .
فأقبل أخي رعاك الله ، والتحق بوفود الرحمن ، الذين دعاهم فأجابوه ، وسألوه فأعطاهم . وأبشر بيوم عظيم تقال فيه العثرة وتغفر فيه الزلة ، كما ويباهي الله بأهل الموقف كما جاء في صحيح مسلم عن عائشة – رضي الله عنها – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة»، وروى ابن حبان في صحيحه من حديث جابر عن النبي – صلى الله عليه وسلم -: «ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة ينزل إلى سماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء، فيقول: انظروا إلى عبادي شعثاً غبراً حاجين جاؤوا من كل فج عميق، يرجون رحمتي، ولم يروا عذابي.. فلم يرَ أكثر عتقاً من النار من يوم عرفة».
وروى مالك في الموطأ أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «ما رئي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أغيظ منه يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام»، روى الترمذي: «خير الدعاء دعاء عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون قبلي: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير».

قف بالأباطح تسري في مشارفها
مواكب النور هامت بالتقى شغفا
من كل فج أتت لله طائعة
أفواجها ترتجي عفو الكريم عفا

فياله من مشهد يأخذ بالألباب ويهز الأفئدة .. فهل شممت عبيرا أزكى من غبار المحرمين؟! وهل رأيت لباسا قط أجمل من لباس الحجاج والمعتمرين؟! هل رأيت رؤوسا أعز وأكرم من رؤوس المحلقين والمقصرين؟! وهل مر بك ركب أشرف من ركب الطائفين؟! وهل سمعت نظما أروع وأعذب من تلبية الملبين وأنين التائبين وتأوه الخاشعين ومناجاة المنكسرين؟!واعملوا -رحمكم الله- بكل ما من شأنه الخروج بالآثار البليغة، والدروس والعبر النافعة، والمنافع الجمة من هذه الفريضة العظيمة، فما أحوج أمة الإسلام اليوم، وقد عمَّها طوفان المحن، وجرفتها سيول الفتن، أن تستفيد من هذه المناسبات الشرعية، صلاحاً في أحوالها، وتحسناً في أوضاعها؛ ليكون هذا الموسم وأمثاله فرصةً للإصلاح، ومناسبةً للمحاسبة والتقويم.

إنه لن تحرر المقدسات، ولن تحل المشكلات، وتتلاشى الفرقة والخلافات، إلا إذا عمل أفراد هذه الأمة -كلٌ في موقعه- على حمل رسالة الإسلام الحق في نفسه، وفي محيطه، هناك يُدرِك أعداء هذه الأمة، أن لجنود الإسلام قوةً بعد ضعف، ويقظةً بعد غفلة، وصحوةً بعد كبوة، واجتماعاً بعد فرقةٍ وشتات: { وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ } [الروم:4-5].

كتبه د. بسام القواسمي 10/آب 2017

عشر ذي الحجة

لقَدْ أظلَّتْكُم أيامٌ عظيمةٌ، ومواسِمٌ للخيرِ كريمةٌ، تُضاعَفُ فيها الحسناتُ، وتُكفَّرُ فيها السيئاتُ، وتُقالُ فيها العَثَراتُ، وتُجابُ فيها الدعَواتُ. وإنَّ ربَّكُم – عزَّ وجلَّ – قَدِ اختارَ الزمانَ ، وإنَّ مِنْ أحبِّ الزمانِ إلى اللهِ الأشهُرَ الحُرُمَ، وقَدِ اختارَ اللهُ سبحانَه العَشْرَ الأُوَلَ مِنْ ذي الحِجَّةِ لتكونَ أفضلَ أيامِ الدنيا، إذْ أقسَمَ بها في كتابهِ العزيزِ، فَعَزَّ مُقْسِماً وقائِلاً: { وَالْفَجْرِ*وَلَيَالٍ عَشْرٍ } { الفجر1:2 } وهِيَ عَشْرُ ذي الحجَّةِ، واللهُ- تباركَ وتعالىَ- لا يُقْسِمُ إلا بعظيمٍ، وسمَّاها- جَلَّ وعَلا – الأيامَ المعلوماتِ، فقالَ سبحانَه وتعالَى: { لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ } { الحج: 28 } . وشَهِدَ لها رسولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – بأنَّها أفضلُ أيامِ الدنيا، فعَنْ جابرٍ – رضي الله عنه – قالَ : قالَ رسولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم -: « أفضلُ أيامِ الدنيا أيامُ العَشْرِ » [أخرجَه البزَّارُ وابنُ حِبَّانَ].
كما وحثَّ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – علَى العملِ الصالِحِ فيها واغْتِنامِها، والإكثارِ مِنَ الطاعاتِ في ليالِيها وأيامِها، فعَنِ ابنِ عباسٍ رضِيَ اللهُ عَنْهما قالَ: قالَ رسولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم -: « ما مِنْ أيامٍ العمَلُ الصالحُ فيها أحبُّ إلى اللهِ مِنْ هذهِ الأيامِ – يَعْنِي أيامَ العَشْرِ- قالوا يا رسولَ اللهِ ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ؟ قالَ: ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ إلاَّ رجلٌ خرجَ بنفسِه ومالِه فلمْ يرجِعْ من ذلِكَ بشيءٍ » [أخرجَه البخاريُّ وأبو داودَ واللفظُ له والترمذيُّ]، ومِنْ فضائِلها: أنَّ رسولَ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – أمرَ بكثرةِ ذِكْرِ اللهِ عزَّ وجلَّ فيها مِنَ التسبيحِ والتحميدِ والتهليلِ والتكبيرِ؛ فعَنِ ابنِ عمرَ رضِيَ اللهُ عَنْهما أنَّ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – قالَ: « ما مِنْ أيامٍ أعظمُ عِنْدَ اللهِ ولا أحَبُّ إلى اللهِ العملُ فيهنَّ مِنْ أيامِ العَشْرِ فأكثِرُوا فِيهنَّ مِنَ التسبيحِ والتحميدِ والتهليلِ والتكبيرِ » [أخرجَه أحمدُ].
وكان ابنُ عمرَ وأبو هريرةَ رضِيَ اللهُ عَنْهما يَخْرجانِ إلى السوقِ في أيامِ العشرِ فيُكبرِّانِ ويكبِّرُ الناسُ بتكبيرِهما.
وعَنْ عائشةَ رضِيَ اللهُ عنها عنِ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – قالَ: « ما مِنْ يومٍ أكثرُ مِنْ أنْ يعتِقَ اللهُ فيهِ عبداً مِنَ النَّارِ مِنْ يومِ عرفَةَ، وإنَّه لَيَدْنُو ثُمَّ يُباهِي بِهمُ الملائكةَ فيقولُ: « ما أرادَ هؤلاءِ؟ »[أخرجَه مسلمٌ]. ولما سُئِلَ رسولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – عَنْ صومِ يومِ عرفَةَ قالَ: « يُكَفِّرُ السَّنَةَ الماضِيَةَ والباقِيَةَ » [أخرجَه مسلمٌ من حديثِ أبي قَتادَةَ – رضي الله عنه .

محبكم/ د. بسام القواسمي 17/آب/ 2017

وجوب الثقة بالله عز وجل
لابد أن تمتلئ القلوب ثقة مطلقة في الله، ولابد أن نعلم أن الذي يدير أمر الكون هو الله، فلا تظن أن الله قد خلق الخلق وغفل عنهم، حاشا لله! بل لا يقع في كونه إلا ما يريد، والله هو الاسم الذي تقال به العثرات، وهو الذي تستجاب به الدعوات، الاسم الذي تستمطر به الرحمات، الاسم الذي تدفع به الكربات، الاسم الذي به ولأجله قامت الأرض والسماوات، والله هو مالك الملك وملك الملوك، وجبار الأرض والسموات؛ فأين عاد؟ وأين ثمود؟ وأين فرعون؟ وأين قارون ؟ وأين هامان ؟ وأين أبرهة ؟ وأين أصحاب الفيل؟ وأين الظالمون؟ وأين التابعون لهم في الغي؟
أين من دوخوا الدنيا بسطوتهم وذكرهم في الورى ظلم وطغيان
هل خلد الموت ذا عز لعزته أو هل نجا منه بالسلطان إنسان
لا والذي خلق الأكوان من عدم الكل يفنى فلا إنس ولا جان

قال الله تعالى : { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * [الفجر:6-14].
وقال عز وجل: { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * [الفيل:1-5].
فلا أحد يتحكم في الكون إلا الواحد الأحد، فلماذا اختل اليقين في قلوبنا؟! ولماذا ضعفت الثقة بربنا؟ ولماذا أصبحنا لا نؤمن إلا بالماديات؟
إنّ ممّا يبعَث على الآمال في خضمِّ هذه التداعيات والآلام أنّ الله سبحانه وتعالى كتب الأمنَ والأمان ؛فالأمنُ فيها مِنّة ربِّ العالمين ودعوةُ ،لكل مخلص مدافع عن المقدسات والدين ومَن يروم غيرَ ذلك من الأوباش فإنما يروم المستحيلَ بإذن الله، وأنّى لناطحِ الصخرة الشمّاء أن يوهنَها، والشجرة الباسقة أن يهزَّها ويثنيَها؟! والأقزامُ إنما يرمون بالحجارة الشجرةَ المثمرة.
أمّةَ الإسلام، ولم تكن بلادُ الاسلام بِدعًا في التعرُّض لإرهاب يهود، ولشموليّة الشعور والإحساسِ بآلام الأمّة في هذا المجال لا بدّ من التذكير بمأساةِ إخواننا المسلمين في فلسطين الذين يعانون من إرهابِ الدّولة الذي يمارسُه الكيانُ الصهيونيّ تحتَ نير الاغتيالاتِ والأوضاع الدمويّة والتصفيات الجسدية للقيادات الفلسطينية، ممّا يتطلّب من الأمّة بل العالم أجمَع توفيرَ الحمايةِ لإخواننا ومقدَّساتنا هناك، في ظلِّ السلبيّة والتخاذُل الدوليّ أمام غطرسَةِ هذا العدوّ الصهيوني الغاشِم وتحدّيه السافِر لكلّ المواثيق والأعرافِ الدولية، وإلى متى لا يسمع الغيورُ إلا أصواتًا خافِتة تهمِس بالشَّجب والإدانة والمناشدة والاستنكار وضبطِ النفس؟!
، وصفحةٌ دمويّة أخرى يعيشُها إخواننا المسلمون في عراقِ التأريخ والعراقة، لا سيّما إخواننا في الموصل الصمود والبسَالة التي تعاني من ظُلم وحِصار وقتلٍ ودمار، تجاوز كلَّ الحدودِ الإنسانية، ممّا يدعو المنصفين في العالم إلى استنكارِ هذا العدوان الغاشِم والاحتلال الجاثم والعملِ بشتّى الوسائل على إيقافه ومنعِه، والنصيحةُ الأخويّة تقتضي حثَّ إخواننا هناك على الصّبر والمصابرة وتوحيدِ الكلمة ووحدةِ الصفوف، وليبشِر الجميع بنصرِ الله، فالتأريخ شاهدٌ على أنّ حَبلَ العُنفِ والإرهاب قصيرُ المدى، وأنّ النصرَ مع الصبر، والفرجَ مع الكرب، وأنّ مع العسر يُسرًا، وفي هذا بشارةٌ لأهل الإسلام، فإنّ آلام المخاض تعقبُها ولادةٌ مبشِّرة، وإنّ الظلمةَ تحمِلُ في أحشائها إشراقةَ الفجر المنتظَر، وشأنُ المسلم الواعي مع القَدَر والقضاء ومُرِّ الابتلاء الرضا والصبرُ والتسليم، يقول ابن مسعود رضي الله عنه: (لو كان العسرُ في جُحرٍ لطلبه اليُسر حتى يدخُل عليه)، ويقول ابن عباس رضي الله عنهما: (لن يغلبَ عسرٌ يُسرين].
ونحن اليومَ ومع شدّة الكرب وعِظَم الخَطب أحوجُ ما نكون إلى بثّ روح التفاؤل والاستبشار والإيجابية، حيث تتابعت صنوفُ الإحباطات واليأس عند كثيرٍ من الناس، حتى نسُوا أو تناسَوا في خضمِّ الآلام فلولَ البشائر والآمال.
إنّ الأمةَ مطالبةٌ للخروج من أزماتها الخانِقة إلى توبةٍ عامّةٍ وأوبةٍ صادقة ورجوع إلى الله وتضرُّع ودعاء وتجديد الثقةِ بالله وحُسنِ الظنّ به سبحانه واستنزال نصره بطاعتِه والتقرّب إليه وإعادة الثقةِ بالنفس والعملِ الجادِّ الدؤوب في سُبُل الصلاح والإصلاح، إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11]، لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم:4-6].
كتبه د.بسام القواسمي

الاعتصام بالكتاب والسنة ، والتمسك بمذاهب علماء الأمة

لا ريب أن الله – تعالى – حفظ لهذه الأمة دينها حفظاً لم يحفظ مثله ديناً غير دين هذه الأمة؛ قال تعالى : (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ)، وذلك أن هذه الأمة ليس بعدها نبي يجدد ما دثر من دينها كما كان دين من قبلنا من الأنبياء، كلما دثر دين نبي جدده نبي آخر يأتي بعده. . قال صلى الله عليه وسلم : (كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ) رواه البخاري.
فتكفل الله – سبحانه – بحفظ هذا الدين، فإنَّ الله عز وجل جعل العلماء ورثة الأنبياء، وجعلهم نجومًا يُهتدى بهم في الظلماء، ومعالم يُقتدى بهم في البيداء، أقامهم تعالى حماة للدين، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ولولاهم لطمست معالمه، وانتكست أعلامه، بتلبيس المضلّين، وتدليس الغاوين.
فتح جلَّ وعلا بهم قلوباً غلفاً، وعيوناً عمياً، وآذاناً صمًّا، يُبصِّرون بنور الله أهل العمى، ويَدعون من ضلَّ إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى.
بهم تصلح العباد، وتستقيم البلاد، وتستبين سبل الرشاد، وتحقّق مصالح العباد في المعاش والمعاد.
فمثلا أجمع أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – في عهد عثمان على جمع الأمة على حرفٍ واحد، خشية أن تختلف هذه الأمة في كتابها كما اختلفت الأمم قبلهم في كتبهم، ورأوا أن المصلحة تقتضي ذلك.
وأما سنة النبي – صلى الله عليه وسلم – فإنها كانت في الأمة تحفظ في الصدور كما يحفظ القرآن، وكان من العلماء من يكتبها كالمصحف ومنهم من ينهى عن كتابتها. ولا ريب أن الناس يتفاوتون في الحفظ والضبط تفاوتاً كثيراً.
وأما الأحكام ومسائل الحلال والحرام: فلا ريب أن الصحابة والتابعين ومن بعدهم اختلفوا في كثير من هذه المسائل اختلافاً كثيراً، وكان في الأعصار المتقدمة كل من اشتهر بالعلم والدين يفتي بما ظهر له أنه الحق في هذه المسائل، مع أنه لم يخل من كان يشذ منهم عن الجمهور عن إنكار العلماء عليه. كان ذلك يريحهم عن أن يتكلم أحدهم بغير علم، أو ينصب نفسه للكلام وليس هو لذلك بأهل. ثم قل الدين والورع، وكثر من يتكلم في الدين بغير علم ومن ينصب نفسه لذلك وليس هو له بأهل. فلو استمر الحال في هذه الأزمان المتأخرة على ما كان عليه في الصدر الأول بحيث أن كل أحدٍ يفتي بما يدعي أنه يظهر له أنه الحق؛ لاختل به نظام الدين لا محالة، ولصار الحلال حراماً والحرام حلالاً. ولقال كل من شاء ما يشاء، ولصار ديننا بسبب ذلك مثل دين أهل الكتابين من قبلنا. فاقتضت حكمة الله – سبحانه – أن ضبط الدين وحفظه: بأن قيض للناس أئمة مجتمعاً على علمهم ودرايتهم وبلوغهم الغاية المقصودة في مرتبة العلم بالأحكام والفتوى،من أهل الرأي والحديث… هم أصحاب المذاهب الأربعة الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي .. فصار الناس كلهم يعولون في الفتاوى عليهم، ويرجعون في معرفة الأحكام إليهم.
وأقام الله من يضبط مذاهبهم ويحرر قواعدهم، حتى ضبط مذهب كل إمام منهم وأصوله وقواعده وفصوله، حتى ترد إلى ذلك الأحكام ويضبط الكلام في مسائل الحلال والحرام.
وكان ذلك من لطف الله بعباده المؤمنين، ومن جملة عوائده الحسنة في حفظ هذا الدين.
فهم مرجعية الفقه والفتوى في الأمة الإسلامية ، ونحن جميعا ومن بعدهم كطالب العلم المتمسك بالإنصاف والتحلي بحلبة الحق والتلبس بلباس الصدق سبب الفوز بخير الدنيا و الآخرة ، وأنه بهذه الخصلة الشريفة التي هي الإنصاف ينشر الله علومه ويظهر في الناس أمره ويرفعه إلى مقام لا يصل إلى أدنى مراتبه . ومع هذا فلم يزل يظهر من يدعي بلوغ درجة الاجتهاد، ويتكلم في العلم من غير تقليدٍ لأحد من هؤلاء الأئمة ولا انقياد..فمنهم من يسوغ له ذلك لظهور صدقه فيما ادعاه، ومنهم من رد عليه قوله وكذب في دعواه، قال تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83) سورة النساء، وأما سائر الناس ممن لم يصل إلى هذه الدرجة فلا يسعه إلا تقليد أولئك الأئمة، والدخول فيما دخل فيه سائر الأمة.. د. بسام القواسمي 5/3/2021م


جبر الخواطر و تطييب النفوس من أخلاق الإسلام العظيمة
نعيش وإياكم زماناً تشتدُّ الحاجة فيه إلى مواساة الناس، والتخفيف عنهم، وتطييب نفوسهم ، وجبر خاطرهم ؛ لأن أصحاب القلوب المنكسرة كثيرون، نظراً لشدَّة الظلم الاجتماعي في هذا الزمان، وفساد ذِمم الناس واختلاف نواياهم، وهذا في جميع المِلل والنِّحَل.. ففي مجتمعاتنا مثلاً ترى أن. هذه مُعلَّقة لا هي زوجة، ولا هي مُطلَّقة، وهذه أرملة، وذاك مسكين، وهذا يتيم، والآخر عليه ديون وفي حالة غمٍّ وهمٍّ، وهذا لا يجد جامعةً، وذاك لا يجد وظيفة، وهذا لا يجد زوجة، أو لا يملك مالاً للزواج ، وذاك مريض، والآخر مُبْتلًى، والهموم كثيرة…
هذه المواقف وغيرها تدعونا للإحسان إلى الخلق، وجبر خاطرهم، فما أجمل أن نتقَصَّد الشراء من بائع متجوُّل في حَرِّ الشمس، ما أخرجه إلا الحاجة، وما اضطَّره السير على قدميه إلا باحثًا عن رزقه ! وما أروع أن نقبل اعتذار المخطئ بحقِّنا، فالصَّفْح عنه ومسامحته تُطيِّب نفسَه وتَجبُر خاطره! وتبادل الهدايا بين الأقارب والأصدقاء والأحباب، من أجمل ما يُدخل الفرحة للقلب والهناء للنفس، وهي سبيل الحب، وبِساط الودِّ، وطريق الأُلْفة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((تَهادَوا تحابُّوا))؛ البخاري.

جَبْرُ الخواطر خُلُقٌ إسلامي عظيم، يدلُّ على سموِّ نفس، وعظمة قلبٍ، وسلامة صدر، ورجاحة عقل، يَجبُر المسلمُ فيه نفوسًا كُسِرَتْ، وقلوبًا فُطِرت، وأجسامًا أُرهقَت، وأشخاصًا أرواح أحبابهم أُزهِقت، فما أجمل هذه العبادة! وما أعظمَ أثرَها!
فمن واقعنا العملي نماذجُ كثيرة شرَعها ديننا الحنيفُ لجبر الخواطر، وتطييب النفوس، لأجل ذلك كان من السنة تعزية أهل الميت وتَسليتهم ومواساتهم، وتخفيف الألم الذي أصابهم عند فَقْدِ ميِّتهم، وكذلك عند مشاهدة بعض الفقراء أو اليتامى شيئًا من قسمة الميراث، فمن الأفضل أن يُخصَّص لهم من المال شيء يَجبُر خاطرهم، ويسدُّ حاجتهم؛ حتى لا يبقى في نفوسهم شيء؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾ [النساء: 8]، وفي قوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ﴾ [الضحى: 9، 10] أجمل تطييب للخاطر، وأرقى صورة للتعامل.
وكان من توجيهات ربنا سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، فكما كنتَ يتيمًا يا محمد صلى الله عليه وسلم، فآواك الله، فلا تقهَر اليتيم، ولا تذلَّه، بل طيِّب خاطره، وأحسِن إليه، وتلطَّف به، واصنَع به كما تحب أن يُصنَع بولدك من بعدك، فنهى الله عن نهر السائل وتقريعه، بل أمر بالتلطُّف معه، وتطييب خاطره، حتى لا يذوق ذُلَّ النَّهْر مع ذُلِّ السؤال.
ومما يُعطي هذا المصطلح جمالًا أن الجبر كلمة مأخوذة من أسماء الله الحسنى، وهو « الجبَّار »، وهذا الاسم بمعناه الرائع يُطمئِن القلب، ويُريح النفس، فهو سبحانه « الذي يجبُر الفقرَ بالغنى، والمرضَ بالصحة، والخيبة والفشل بالتوفيق والأمل، والخوف والحزن بالأمن والاطمئنان، فهو جبَّارٌ مُتَّصِفٌ بكثرة جبره حوائجَ الخلائق ».
وجبرُ النفوس من الدعاء الملازم لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بين السجدتين: ((اللهم اغفِرْ لي وارحَمني، واهْدِني واجْبُرْني وارزُقْني))؛ سنن الترمذي.

ومما قد يتضمَّن جبر الخواطر في القرآن الكريم:
قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [يوسف: 15]، فكان هذا الوحي من الله سبحانه وتعالى لتثبيت قلب يوسف عليه السلام ولجبر خاطره؛ لأنه ظُلِم وأُوذِي من أخوته، والمظلوم يحتاج إلى جبر خاطر؛ لذلك شرَع لنا جبرَ الخواطر المنكسرة.
ومثله قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [القصص: 85]، فرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أحبَّ مكةَ التي وُلِد فيها ونشأ، أُخْرِجَ منها ظُلْمًا، فاحتاج في هذا الموقف الصعب وهذا الفِراق الأليم – إلى شيء من المواساة والصبر، فأنزل الله تعالى له قرآنًا مؤكَّدًا بقسمٍ أن الذي فرض عليك القرآن، وأرسَلك رسولًا، وأمرَك بتبليغ شرعه، سيردُّك إلى موطنك مكة عزيزًا منتصرًا، وهذا ما حصَل.
ومثله أيضًا قوله تعالى: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾ [الضحى: 5]، وانظر إلى روعة العطاء المستمر في هذه الآية، حتى يصل بالمسلم لحالة الرِّضا، فهذه الآية رسالة إلى كل مهموم ومغموم، وتسلية لصاحب الحاجة، وفَرَجٌ لكل مَن وقَع في بلاءٍ وفتنة أن الله يجبُر كلَّ قلب لجأَ إليه بصِدْقٍ.


وقد ورد في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم: ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [إبراهيم: 36]، وقال عيسى عليه السلام: ﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [المائدة: 118]، فرفع يديه، وقال: ((اللهم أُمَّتي أُمَّتي))، وبكى؛ فقال الله عز وجل: ((يا جبريل، اذهب إلى محمد، وربك أعلم، فسَلْه: ما يُبكِيك؟))، فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام، فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال، وهو أعلمُ، فقال الله: ((يا جبريل، اذهَب إلى محمد، فقل: إنا سنُرضيك في أُمَّتك ولا نَسوؤك)).
وقد عاتَب الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أعرض عن ابن أمِّ مكتوم، وكان أعمى عندما جاءه سائلًا مستفسرًا قائلًا: عَلِّمني ممَّا علَّمَكَ الله، وكان النبي عليه الصلاة والسلام منشغلًا بدعوة بعض صناديد قريش، فأعرض عنه، فأنزل الله: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى ﴾ [عبس: 1 -4].
وقال الامام القرطبي معلقا في التفسير: « فعاتبه الله على ذلك؛ لكيلا تنكسِر قلوب أهل الإيمان ».. ولا شك أن كل إنسان منا قد حفَر في ذاكرته أشخاص كان لهم الدور الفاعل والعمل الدؤوب بمواقف سُطِّرت وحُفِظَت؛ سواء بالقول أو الفعل، أو رسالة أو فكرة، أو كلمةِ خيرٍ جبَرت نفوسًا، وأثلجت صدورًا، فهذه المواقف تُحفَظ ولا تُنسى، كما لم يَنسَ النبي عليه الصلاة والسلام موقف المطعم بن عدي حين أدخله في جواره يوم عودته من الطائف حزينًا أسيفًا، فقال يومَ أَسْرِ أسرى بدر: ((لو كان المطعم بن عدي حيًّا، وكلَّمني في هؤلاء النَّتْنَى، لأجبتُه فيهم))؛ صحيح البخاري.
وكما لم ينس الإمام أحمد أبا الهيثم فكان يدعو له في كل صلاة: « اللهم اغفِر لأبي الهيثم … اللهم ارحَم أبا الهيثم … قال ابن الإمام له: من يكون أبو الهيثم حتى تدعوَ له في كل صلاة، قال: رجل لما مُدَّت يدي إلى العقاب، وأُخْرِجْتُ للسياط إذا أنا بإنسان يجذب ثوبي من ورائي ويقول لي: تعرفني؟ قلت: لا، قال: أنا أبو الهيثم العيَّار اللص الطرار، مكتوب في ديوان أمير المؤمنين أني ضُرِبْتُ ثمانية عشر ألف سوط بالتفاريق، وصبرتُ في ذلك على طاعة الشيطان لأجل الدنيا، فاصْبِر أنت في طاعة الرحمن لأجل الدين ».. ومن جبر الخواطر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ردَّ سائلًا قطُّ، بل كان يرشد الصحابة للحل، ويَدُلُّهم على الطريق، ويُطيِّب خاطرهم؛ فقد دخل عليه الصلاة والسلام ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يُقال له أبو أمامة، فقال: ((يا أبا أمامة، مالي أراك جالسًا في المسجد في غير وقت الصلاة؟)) قال: هموم لزِمَتْني، وديون يا رسول الله، قال: ((أفلا أُعلِّمُك كلامًا إذا أنت قلتَه أذهَب الله عز وجل همَّك، وقضى عنك دَيْنَك))، قلتُ: بلى يا رسول الله؟ قال: ((قل إذا أصبحت، وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهمِّ، والحزن، وأعوذ بك من العَجْز، والكَسَل، وأعوذ بك من الجُبْن والبُخْل، وأعوذ بك من غَلَبَة الدَّيْن، وقَهْر الرجال))، قال أبو أمامة: ففعلتُ ذلك، فأذهب الله عز وجل همِّي وقضى عني ديني »؛ كما جاء في سنن أبي داود.
وعندما جاء فقراء المهاجرين مكسوري الخاطر، وقالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نُصلِّي، ويصومون كما نصوم، ويتصدَّقُون بفضول أموالهم، قال: ((أوليس قد جعل الله لكم ما تَصدَّقون؟ إن بكل تسبيحة صدقةً، وكلِّ تكبيرة صدقةً، وكلِّ تحميدةٍ صدقةً، وكلِّ تهليلةٍ صدقةً، وأمرٌ بالمعروف صَدَقةٌ، ونهيٌ عن منكر صدقةٌ، وفي بُضْعِ أحدكم صدقةٌ))، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدُنا شهوتَه ويكون له فيها أجرٌ؟ قال: ((أرأيتُم لو وضعها في حرامٍ، أكان عليه فيها وِزْر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرٌ))؛ رواه مسلم.
والبِرُّ بأرقى صوره أن تشتري لوالديك ما يحتاجان وتفاجئهما بما يَفقدان؛ دون طلبٍ منهما أو سؤالٍ، بل كرم منك وتبرُّع، ففي هذا الفعل أجمل ما يُسطَّر من جبر الخواطر، وإدخال الفرح والسرور على قلوبهما، كما لا ننسى صاحب الحاجة والمسكين الذي انكسر قلبُه، وذلَّت نفسُه، وضاق صدرُه، ما أجمل أن نجعل له من مالنا نصيبًا، ومن طعامنا ولو الشيء القليل، ومن دعائنا ما نستطيع! بذلك نجبُر كسرهم، ونُطيِّب قلوبهم، ولا نُشعِرهم بالنقص، قال أحمد بن عبدالحميد الحارثي: « ما رأيت أحسن خلقًا من الحسين اللؤلؤي، كان يكسو مماليكه كما يكسو نفسه]
وتطييب الخاطر لا يحتاج إلى كثير جهدٍ، ولا كبير طاقةٍ، فربما يكفي البعض كلمةٌ مِن ذكرٍ، أو دعاء، أو موعظة، وربما يحتاج الآخر إلى مساعدة، وينقص ذاك جاهٌ، وينتظر البعض قضاءَ حاجةٍ، ويكتفي البعض الآخر بابتسامة، فعلينا أن نَجتهد بإدخال الفرح والسرور إلى قلوب إخواننا، ولا نبخَل على أنفسنا، فالصدقةُ والخير نَفْعُه يعود إليك… د. بسام القواسمي 2021/2/26


فقه الاختلاف والتنوع وأثره في تماسك المجتمع المسلم .
من حكمة الله سبحانه أن بايَنَ بين خلقه، وجعلهم صنوفاً وألواناً وشعوباً وأجناساً، وألف بين القلوب فقال تعالى ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ ﴾ [الروم: 22] .. ومن حكمته أيضا أن خلق الناس مختلفين فمنهم شقي وسعيد فقال تعالى ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ [هود: 118، 119].
ولهذا قال رسول الله صلي الله عليه وسلم.. محذراً من التفرق والجدال ( إن أبغض الرجال إلي الله الألد الخصم )، وقال صلي الله عليه وسلم ( ما ضل قوم بعد هدي كانوا عليه إلا أوتوا الجدل )، ومن رحمته سبحانه أن خلق الناس متفاوتين في كل شيئ في الطباع والأفكار والسمات، وإن الله لا يعجزه أن يجعل الناس على قلب رجل واحد ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ [هود: 118].
فالاختلاف ليس في البشر فقط ولكن في النبات والحيوان وكل المخلوقات، والتباين هذا دليل علي عظيم صنع الله تعالى وقدرته ، ولكن نجد من العبث أن يراد صب الناس في قالب واحد وهذا مستحيل لأن هذه سنة الله في كونه ؛ لذلك كان حديثنا اليوم عن فقه الاختلاف ، بحيث ينهج كل شخص طريقاً مغايراً للآخر في حاله أو في قوله. والخلاف أعم من « الضد  » لأن كل ضدين مختلفان، وليس كلُّ مختلفين ضدين!! … ولما كان الاختلاف بين الناس في القول قد يفضي إلى التنازع استعير ذلك للمنازعة والمجادلة، وله صور في القرآن ، قال تعالى: ﴿ فاخْتَلفَ الأحْزابُ مِنْ بينِهم… ﴾ [مريم:37]،﴿ وَلا يزَالُون مُخْتلِفين ﴾ [هود:118]، ﴿ إنَّكُم لفِي قولٍ مُخْتلِف ﴾ [الذاريات:8]، ﴿ إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بينهم يوْم القِيامةِ فيما كانوا فيهِ يخْتلِفون ﴾ [يونس:93] ، وهنالك اختلاف التنوع المحمود والمشروع الذي يثري ويفيد، وهو غذاء للعقل، وغربلة للفكر، وقوة في الحجة، ويكون دائما مصدر إثراء وخصوبة فهو سنة ربانية لا مخلص منها، فالناس يختلفون في ألوانهم، وأشكالهم وقبائلهم، وميولهم وعقولهم، وفي كل شيء، وقد قال الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾ [الحجرات: 13].
وهو آية من آيات الله تعالى في الكون قال تعالى: ﴿ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [الرعد: 4]. وقال تعالى ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأنعام: 99].
ولا ريب ان الاختلاف ضرورة بشرية وطبيعة الكون والحياة، وطبيعة البيئة، كلها تختلف ؛ لذا خلق الله الناس مختلفين وإن كانوا كلهم من ذكر وأنثى فمن الناس من يميل إلي التشديد ومنهم من يميل إلى التيسير، ومنهم من يأخذ بظاهر النص ومنهم من يأخذ بروح النص ومنهم من يسأل عن الخير ومنهم من يسأل عن الشر مخافة أن يدركه، ومنهم ذو الطبيعة المرحة المنبسطة ومنهم ذو الطبيعة الانطوائية المنكمشة. وهذا الاختلاف في صفات البشر واتجاهاتهم النفسية يترتب عليه لا محالة اختلافهم في الحكم علي الأشياء والمواقف والأعمال، يظهر ذلك في مجال الفقه وفي مجال السياسة وفي مجال السلوك اليومي والعادي للناس.
وهناك نماذج بارزة لهذا الاختلاف في حياة الانبياء عليهم الصلاة والسلام والصحابة الكرام رضي الله عنهم، من أبرز الأمثلة ما عرف واستفاض عن كل من الصحابيين الجليلين الشيخين الكريمين: أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فقد كان لكل منهما اتجاهه، وطريقته في معالجة الأمور، فأبو بكر يمثل الرفق والرحمة، وعمر يمثل القوة والشدة، وهذا ينعكس على رأي كل منهما في المواقف والأحداث… ومن أظهر الأمثلة لذلك ما كان منهما في شأن أسرى بدر، يقول الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ
عَذَابٌ عَظِيمٌ * فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الأنفال: 67 – 69].
أخرج الإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه قال: استشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس في الأسارى يوم بدر فقال: « إن الله قد أمكنكم منهم » فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم! فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: « يا أيها الناس، إن الله قد أمكنكم منهم، وإنما هم إخوانكم بالأمس! » فقام عمر فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عاد النبي صلى الله عليه وسلم فقال للناس مثل ذلك.
فقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله نرى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء.. قال: فذهب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان فيه من الغم، فعفا عنهم، وقبل منهم الفداء، قال: وأنزل الله عز وجل:﴿ لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .
ثم خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: « إن الله ليلين قلوب رجال، حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم عليه السلام قال: ﴿ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [إبراهيم: 36]. وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى عليه السلام قال: ﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [المائدة: 118]. وإن مثلك يا عمر كمثل موسى عليه السلام قال: ﴿ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾ [يونس: 88]. وإن مثلك يا عمر كمثل نوح عليه السلام فقال: ﴿ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ﴾ [نوح: 26]. وقد ذكر لنا القرآن الكريم أن الملائكة قد اختلفوا بل اختصموا بينهم وذلك بقوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ [ص: 69].
وإن الأنبياء قد اختلفوا فيما بينهم أيضا.
اختلف موسى وأخوه هارون، عليهما السلام، إلى حد أن أخذ موسى بلحية أخيه، ولامه أشد اللوم بعد عبادة بني إسرائيل العجل السامري قال: ﴿ قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾ [طه: 92 – 94] وفي سورة أخرى قال له: ﴿ فلا تشمت بي الأعداء ﴾ [الأعراف: 150]. واختلف موسى والخضر عليهما السلام في مواقف ثلاثة انتهت بافتراقهما قال: ﴿ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ﴾ [الكهف: 78] وهو ما فصلته سورة الكهف.
واختلف داود وابنه سليمان عليهما السلام في حكم الغنم إذ نفشت في زرع القوم، وأشار القرآن إلى أن الصواب كان مع الابن، ولكنه أثنى على الاثنين جميعا فقال: ﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾ [الأنبياء: 79]. وصح في الحديث اختصام ملائكة الرحمة وملائكة العذاب في مصير الرجل الذي قتل مئة نفس، ثم خرج تائبا إلى القرية الصالحة ومات في الطريق، أيحكم له بحكم القرية الظالمة التي عاش عمره فيها وقتل من قتل، أم يحكم له بحكم القرية الأخيرة التي كانت وجهته إليها، وبعبارة أخرى: أيحكم له بعمله أم بنيته؟ بالأول حكم ملائكة العذاب، وبالثاني حكم ملائكة الرحمة، وقد بعث الله ملكا يحكم بينهم، فحكم لملائكة الرحمة.
وإذا كان الخلاف والاختصام قد وقع بين أكرم الخلق على الله من الملائكة الكرام والأنبياء العظام، لاختلاف زوايا الرؤية، ووجهات النظر، واتساع العلم وضيقه، فكيف نطمع أن نمحو الخلاف بين غيرهم ممن لا عصمة لهم، وليس فيهم ملك مقرب ولا نبي مكرم؟
فالاختلاف رحمة: – الاختلاف مع كونه سنة ربانية، وكونه ضرورة هو كذلك رحمة بالأمة، وتوسعة عليها، ويؤيد هذا المعنى ما رواه الدارقطني وحسنه النووي في الأربعين: « إن الله تعالى حد حدودا فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تضيعونها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها ».
والأشياء المسكوت عنها تكون عادة من أسباب الاختلاف، لأنها تكون منطقة فراغ تشريعي، يحاول كل فقيه أن يملأها وفقا لأصوله، واتجاه مدرسته، فواحد يتجه إلى القياس، وآخر إلى الاستحسان، وثالث إلى الاستصحاب، ورابع إلى العرف، وغيره إلى البراءة الأصلية… وهكذا …بارك الله لي ولكم د. بسام القواسمي. ٥ /٢٠٢١/٢